محمد رأفت سعيد
154
تاريخ نزول القرآن الكريم
للعالمين يؤكد النظرة الجديدة التي ترسيها سورة الضحى ثم يأتي الأمر الملزم والموجه إلى الرسول الكريم والمؤمنين : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وهذا النهى عن قهر اليتيم قمة التكافل الاجتماعي الذي يتناول الجوانب المادية الظاهرة والجوانب المعنوية كذلك . فلا يجوز للأمة المسلمة أن تعرض اليتامى الذين حرموا من عطف آبائهم إلى الشعور بالذلة أو الإهانة بسبب يتمهم بل يكونوا لهم آباء حتى إذا حرم اليتيم من أب وجد له من أمته آباء رحماء يمسحون على رأسهم عطفا وحنانا ، ويقومون على رعايتهم إنفاقا وإشباعا لحاجاتهم المادية . وهذا رفع لما يمكن أن يقعوا فيه من القهر بسبب اليتم . وهذا ما فهمه علماؤنا من هذا الأمر الكريم قال قتادة في تفسير ذلك : كن لليتيم كالأب الرحيم . وقال ابن كثير : أي كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم أي لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف له « 1 » . وفي هذا علاج لعدد كبير من أبناء الأمة ، وتخفيف من حدة الأثرة وحب الذات التي كانت أبرز سمات الجاهلية ، إنها توجيه إلى التفكير في الآخرين وخاصة في الضعفاء منهم ، والإحساس بهم والشعور الكريم نحوهم . وفي الوقت نفسه حماية للأمة من فساد يمكن أن تقع فيه بإهمال هذا الأمر حيث أن إهمال أمر اليتيم وقهره يجعل منه عضوا حاقدا على أمته ، لم تكتمل فيه معاني العطف والرحمة ، إلا من رحمه الله . ويؤكد هذا المعنى الإيجابى نحو الآخرين في الأمر الثاني وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) فاليتيم بحاله في حاجة إلى مد اليد إليه معنويا وماديا ، سأل أو لم يسأل ، وليس اليتيم هو الضعيف الوحيد في الأمة ، بل قد يصل الضعف ببعض حالات الأمة التي بدأ بناؤها منذ نزول الوحي إلى حد رفع الصوت بطلب ما يحتاجه الضعيف من الفقراء والمساكين ، وهؤلاء أيضا ينبغي أن يكونوا محل عناية الأمة التي تربى على التكافل الصحيح فالأمر بعد الوحي لم يصبح نفسي نفسي ، بل صار الخلق الجديد وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) فالمفترض أن السائل لا يسأل إلا عن حاجة وأن المسؤول إما أن يكون مستطيعا للوفاء بهذه الحاجة وإما أن يكون عاجزا عن ذلك ، وعلى الحالين يربى الإسلام في أبنائه الشعور المرهف نحو السائلين فمع القدرة تكفى الحاجات ، ومع العجز تكون الكلمة الطيبة والوعد الحسن حفاظا على ماء الوجوه وصيانة للروابط بين أفراد الأمة ، ويأتي هذا الأمر الكريم كذلك في معرض التذكير بأن الإغناء من الله ، وأن
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 523 .